الشيخ محمد هادي معرفة

317

التفسير الأثرى الجامع

ودخل بخت‌نصّر وجنوده بيت المقدس ، فوطئ الشام وقتل بني إسرائيل حتّى أفناهم ، وخرّب بيت المقدس ، ثمّ أمر جنوده أن يملأ كلّ رجل منهم ترسه ترابا ثمّ يقذفه في بيت المقدس ، فقذفوا فيه التراب حتّى ملؤه ، ثمّ انصرف راجعا إلى أرض بابل ، واحتمل معه سبايا بني إسرائيل ، وأمرهم أن يجمعوا من كان في بيت المقدس كلّهم ، فاجتمع عنده كلّ صغير وكبير من بني إسرائيل ، فاختار منهم تسعين ألف صبيّ ، فلمّا خرجت غنائم جنده ، وأراد أن يقسّمهم فيهم ، قالت له الملوك الّذين كانوا معه : أيّها الملك ، لك غنائمنا كلّها ، واقسم بيننا هؤلاء الصبيان الّذين اخترتهم من بني إسرائيل ، ففعل ، فأصاب كلّ واحد منهم أربعة غلمة ، وكان من أولئك الغلمان دانيال وعزاريا ومسايل وحنانيا . وجعلهم بخت‌نصّر ثلاث فرق فثلثا أقرّ بالشام ، وثلثا سبا ، وثلثا قتل ، وذهب بأسبية بيت المقدس حتّى أقدمها بابل وبالصبيان التسعين الألف حتّى أقدمهم بابل ، فكانت هذه الواقعة الأولى الّتي ذكر اللّه تعالى ذكره نبيّ اللّه بأحداثهم وظلمهم . فلمّا ولّى بخت‌نصّر عنه راجعا إلى بابل بمن معه من سبايا بني إسرائيل ، أقبل إرميا على حمار له معه عصير من عنب في زكرة « 1 » وسلّة تين ، حتّى أتى إيليا ، فلمّا وقف عليها ، ورأى ما بها من الخراب دخله شكّ ، فقال : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ وحماره وعصيره وسلّة تينه عنده حيث أماته اللّه ، ومات حماره معه ، فأعمى اللّه عنه العيون ، فلم يره أحد ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللّه تعالى ، فقال له : كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ يقول : لم يتغيّر وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فنظر إلى حماره يتّصل بعضه إلى بعض ، وقد مات معه بالعروق والعصب ، ثمّ كيف كسي ذلك منه اللحم ، حتّى استوى ، ثمّ جرى فيه الروح ، فقام ينهق ، ونظر إلى عصيره وتينه ، فإذا هو على هيئته حين وضعه لم يتغيّر . فلمّا عاين من قدرة اللّه ما عاين قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثمّ عمر اللّه إرميا بعد ذلك ، فهو الّذي يرى بفلوات الأرض والبلدان ! « 2 »

--> ( 1 ) الزكرة : وعاء من جلد للخمر ونحوه . ( 2 ) الطبري 3 : 46 - 49 / 4616 ، و 9 : 48 ؛ تاريخ الطبري 1 : 389 - 395 ؛ الثعلبي 2 : 243 - 246 ؛ البغوي 1 : 352 - 354 ؛ أبو الفتوح 4 : 9 - 14 .